الفيض الكاشاني

131

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

أقول : وإليه الإشارة بما رواه أصحابنا بإسناد حسن عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك - وعدّ أشياء غير هذا - وقال : لا يكون يوم صومك كيوم فطرك ( 1 ) « وزاد في خبر آخر « ودع المراء وأذى الخادم وليكن عليك وقار الصيام فإنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم سمع امرأة تسبّ جاريتها وهي صائمة فدعا بطعام فقال لها : كلي ، فقالت إنّي صائمة ، فقال : كيف تكونين صائمة وقد سبب جاريتك إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب ( 2 ) » . قال أبو حامد : « وأمّا صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدّنيّة والأفكار الدّنيويّة وكفّه عمّا سوى اللَّه بالكلَّية ، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى اللَّه واليوم الآخر ، وبالفكر في الدّنيا إلا دنيا تراد للدّين فإنّ ذلك زاد الآخرة وليس من الدّنيا حتّى قال أرباب القلوب : من تحرّكت همّته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فإنّ ذلك من قلَّة الوثوق بفضل اللَّه وقلَّة اليقين برزقه الموعود وهذه رتبة الأنبياء والصدّيقين والمقرّبين ولا يطول النظر في تفصيله قولا ولكن في تحقيقه عملا فإنّه إقبال بكنه الهمّة على اللَّه وانصراف عن غير اللَّه وتلبّس بمعنى قوله تعالى « قل الله ثمّ ذرهم » ( 3 ) . أقول : وإليه الإشارة بما روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الصوم جنّة » [ 1 ] أي ستر من آفات الدّنيا وحجاب من عذاب الآخرة ، فإذا صمت فانو بصومك كفّ النفس عن الشهوات وقطع الهمّة عن خطوات الشيطان ، فأنزل نفسك منزلة المرضى لا تشتهي طعاما وشرابا متوقّعا في كلّ لحظة شفاءك من مرض الذّنوب ، وطهّر باطنك من كلّ كدر وغفلة وظلمة يقطعك عن معنى الإخلاص لوجه اللَّه تعالى ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « قال اللَّه عزّ وجلّ : الصوم لي وأنا أجزي به ( 4 ) » فالصوم يميت موادّ

--> ( 1 ) الكافي ج 4 ص 87 ، والفقيه ص 177 . وكذا الخبر الآخر . ( 2 ) الكافي ج 4 ص 87 رقم 3 ، والفقيه ص 178 ، والتهذيب ج 1 ص 407 . ( 3 ) الانعام : 91 . ( 4 ) رواه العامة والخاصة كما مر ، ورواه أحمد ج 1 ص 195 . [ 1 ] الكافي ج 4 ص 62 وفيه « الصوم جنة من النار » .